بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة في منهج التعليم بالمنظومات
التعليم بالمنظومات منهج أصيل لدى العلماء المسلمين وهو لكثرة انتشاره واشتاره، لا يحتاج لدليل يظهر مدى قناعة المسلمين به، واعتمادهم عليه.
فقد كتبت المنظومات في سائر العلوم الشرعية والكونية منذ قرون طويلة، وقررت في حلقات التعليم، وتناول العلماء في خدمتها شرحاً وتدريساً وتحشية وتزئيلاً، حتى أصبحت عنواناً على المعرفة، وأصبحت جزءاً رئيساً من ذاكرة طلاب العلم، ومدخلاً واضحاً من مداخل المعرفة الأصيلة وقلّ أن تجد عالماً من علماء العربية اليوم لم يحفظ ألفية ابن مالك شعراً، ويدرس شروحها وحواشيها، وجهود العلماء عليها، وكذلك فإن علماء القراءة اليوم لايزالون يشرطون على طالب العلم هذا الفن أن يستظهر واحداً من النظمين: حرز الأماني مع الدرة أو طيبة النشر، ولا ينال الطريقة إلا باستظهارهما معاً.
والأمر ذاته في تحصيل علم الفرائض والحديث والأصول وغيرهما من العلوم النظرية.
ولا شك أن الذي ألهم المسلمين هذا المنهج، هو تجربتهم الأصيلة في حفظ القرآن الكريم، فالمسلمون أمة اختصها الله بهذا التنزيل، وجاءت الأحاديث بالتوكيد على حفظه واستظهاره بدءاً من عصر السلف الأول فقد اعتبر حفظ القرآن الكريم شرطاً رئيسياً لمن يخوض في التأويل أو التفسير، إذاً فهو شرط أساسي لكل عالم يتصدر للتعليم.
وظهر للأقدمين بركة حفظ النصوص من خلال ذلك فراحوا ينهجون ذات النهج في العلوم الأخرى، من سبق الحفظ ثم تعقيبه بالفهم والشروح.
وإياك أن يأخذ بك الظن إلى تصور أنهم قصدوا محاكات النظم القرآني، في إسلوبه المعجز، فهذا لا يدركه أحد، وإنما أرادوا محاكات الطريقة التعليمية الناجحة التي ألهمهم إياها إسلوبهم في تلقي العلوم المتصلة بالقرآن الكريم.
خصائص التعليم بالمنظومات
وتكشف طريقة التعليم بالمنظومات عن وعي عميق لدى العلماء المسلمين، ذلك أنهم أدركوا أن طاقة العقل لدى الإنسان تتوزع بين الحفظ والفهم، وأن إطار الحفظ يبدأ كبيراً مع سن الطفولة فيما يكون إطار الفهم والاستيعاب أقل وأضعف، ثم يبدأ إطار الحفظ بالتناقص لحساب الفهم والاستيعاب أكبر من القدرة على الحفظ والتخزين في الذاكرة.
فلو افترضنا أن طاقة العقل مائة درجة، فإن في سن العشرة. تتوزع قدرته على أساس أن الذاكرة لها تسعون والاستيعاب له عشرة فإذا بلغ سن العشرين تناقص الحفظ إلى خمسين، فإذا بلغ الثلاثين أصبحت القدرة على الحفظ عشرة.
ولست أزعم أن هذه القاعدة مطلقة بحيث لاتتخلف، بل لهما استثناءات كثيرة ترتبط بتركيب الإنسان النفسي كما ترتبط بظروفه الاجتماعية، ولكن الفترة الذهبية للحفظ هي بلا ريب فترة الطفولة، ففي الطفولة يتعلم المرء على ذاكرة بيضاء، فتكون المعلومات أرسخ وأبقى، حتى إذا كثرت المعارف والمشاغل ضاقت ساحة الذاكرة عن استيعاب الجديد، فتزاحمت المعارف، وكثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً.
ومن هنا شاع بين أهل المعرفة: الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر والحفظ في الكبر كالنقش في الكدر. فبينما يرسخ النقش على الحجر فإن النقش على الكدر وهو الطين الجاف لايلبث أن يتفتت لأول عامل من عوامل الدهر.
وعلى إدراك لذلك كله نهج العلماء المسلمون في التعليم، فقدموا للصغير أحوال المعارف على هيئة منظومات ومتون، وطلبوا من الفتى حفظها واستظهارها، فشغلوه بما هو جدير، وصرفوه عما هو ليس باهل، إذن لن يبلغ فهم هذه المنظومات إلا بتكليف وتعسف، بينما يمكنه حفظها بمتعة ويسر ويتخذها له نغماً ولحناً.
ولست أعني أنه كان يُكَفُّ عن فهم عباراتها، فيحفظها حفظ الأعاجم، بل كانت تحل له عقد العبارات، دون الدخول في تفاصيل الدلالات.
وهكذا إن الفتى يفتح عينه على العلم في الثامنة عشرة مثلاً وعنده مخزون كبير من المعرفة، مطبوع في الذاكرة كلما ناداه قال له لبيك، فيشرع بفهم المسائل، وإن أصولها مبسوطة على صفحة ذاكرته، كأنه يراها عياناً ويلمسها بناناً، فيكون ذلك أدعى للفهم وأوقر في العقل ثم يتصدر للتعليم والفتيا وعلمه معه حاضر، ولسانه له ذاكر، فيصبح كالغني عن حمل القراطيس، كما قال الإمام الشافعي:
علــمي مــعي أينمــا يــممـت يتبعني صــدري وعــاء له لابطـن صنـدوقي
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقال آخر:
مالعــلم فيــما قــد حــوى القـمــطر مـــالعــــلم إلا مــاحــــواه الصــــدر
وقد كانوا يعنون ذلك حينما قالوا: من حفظ المتون حاز الفنون، ومن قرأ الحواشي ما حوى شيء.
ولست أدري لماذا لا تهتم الطريقة الحديثة في التعليم عن مناهج التعليم بالمنظومات، رغم أننا لن نحتاج إلى التدليل على موثوقية علم الأقدمين.
وليس صواباً ما يظنه بعض المحققين من أن هذا الفن نشأ في عصور الانحطاط والركود وأنه ليس له أصالة تاريخية كمنهج تعليمي اسلامي، بل ثمة منظومات تجاوزت ألف بيت وهي مكتوبة في القرن السادس الهجري، كقصيدة النسفي في فقه الحنفية فقد أكملها عام 504 هجري وبلغت 2669 بيتاً، والرحبية في الفرائض لابن الرحبي المتوفي عام 577 هجري، بل أشار حاجي خليفة في كشف الظنون إلى منظومة في غريب اللغة لنفطويه النحوي المشهور المتوفي 323 هجري.